مرحبا بكم على موقع فضيلة الدكتور توفيق الغلبزوري         شهادة الدكتور محمد فاروق النبهان في حق الشيخ محمد حدو أمزيان             ثلاث إصدارات جديدة لصاب الموقع الدكتور توفيق بن أحمد الغلبزوري             الشيخ محمد العربي بن أحمد الخطيب             الشيخ العلامة العربي الُّلوه             ترجمة قصيرة للعلامة الفقيه الدكتور امحند الورياغلي             إصدار جديد بمدينة تطوان             النص الكامل للدرس الحسني للدكتور توفيق الغلبزوري في حضرة جلالة الملك             إصدار جديد للدكتور توفيق الغلبزوري بتطوان             كلمة في حق الدكتور عبد اللطيف الطاهري بقلم الدكتور خالد الصمدي             كلمات في حق الدكتور عبد اللطيف الطاهري بأنامل الاستاذ الحسن السرات             الدكتور توفيق الغلبزوري في درس حسني رمضاني أمام الملك محمد السادس            كلمة لرئيس المجلس العلمي بفاس حول المشهد الإعلامي الإلكتروني            الدكتور توفيق الغلبزوري أثناء مشاركته في ندوة علمية دولية بفاس            الروائي والباحث المغربي الدكتور عبد الإله بن عرفة يتحدث عن صورة الإسلام في المواقع الإلكترونية الغربية            الدكتور توفيق بن أحمد الغلبزوري في برنامج حياة القلوب بالدوحة بقطر            محاضرة بدولة قطر حول موضوع خريف مضى وربيع آت            خطبة الجمعة في حضرة أمير المؤمنين بتطوان            محاضرة الدكتور توفيق بن أحمد الغلبزوري بالسويد            الغلبزوري في برنامج "مسارات" بدولة قطر             السنن الكونية في القرآن الكريم في برنامج حياة القلوب           
دروس مرئية

الدكتور توفيق الغلبزوري في درس حسني رمضاني أمام الملك محمد السادس


كلمة لرئيس المجلس العلمي بفاس حول المشهد الإعلامي الإلكتروني

 
أهداف الموقع

أهداف الموقع

 
البحث بالموقع
 
جريدتنا بالفايس بوك
 
الصحافة

مقال حول الشيخ محمد حدو أمزيان-رحمه الله- بجريدة أصوات الريف

 
 

النص الكامل للدرس الحسني للدكتور توفيق الغلبزوري في حضرة جلالة الملك


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 06 شتنبر 2013 الساعة 26 : 08


 

النص الكامل للدرس الحسني للدكتور توفيق الغلبزوري في حضرة جلالة الملك


ترأس أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، يوم الأحد 26  رمضان 1434هـ موافق 4 غشت 2013م، بالقصر الملكي بالرباط، الدرس السابع من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

 وألقى هذا الدرس، بين يدي جلالة الملك، الأستاذ توفيق الغلبزوري، عضو المجلس العلمي بالمضيق الفنيدق، تناول فيه بالدرس والتحليل موضوع "الضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة"، انطلاقا من قول الله تعالى "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون".

 وفيما يلي النص الكامل لهذا الدرس:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،

وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه،

 

مولاي أمير المومنين، وحامي حمى الملة والدين، وسبط النبي الأمين، أبقاكم الله حصنا حصينا للإسلام والمسلمين، ولهذا البلد الكريم،

 

مولاي، إنها لفرصة كريمة، ومناسبة سعيدة؛ أن تفضلتم جلالتكم فأتحتم لي أن أتحدث في حضرتكم، وفي مجلسكم العلمي المنيف في موضوع  يتصل بالفتوى، ومن المفيد أن يتكرر الكلام عن الفتوى لأن ضبطها يدخل في ما هو منوط بإمارة المؤمنين من حماية الملة والدين، ولأن الكلام في هذا المجلس له من الذيوع والتقرير والقبول ما ليس للكلام في غيره.

 

إن مما يجعل الكلام عن الفتوى في الوقت الحاضر أكثر وضوحا أن نمهد له بالملاحظات الآتية:

  1. أن مشروعية قيام مختصين بإعطاء أجوبة عن مسائل في الدين طارئة بعد استنباطها من النصوص، وهذا ما يسمى بالفتوى، مظهر من مظاهر الحيوية التي تميز بها النقاش في الدين على امتداد تاريخ الإسلام؛
  2. أنه بالرغم من كون مهنة الإفتاء حرة فإن الطلب الذي يمثله الاستفتاء من لدن الجمهور والعرض الذي تمثله أجوبة المفتي كان منضبطا بالحرمة أي المسؤولية التي لمسائل الدين في نفوس الناس من جهة، وبإشراف الجهة الموكل إليها حماية الناس من الغش في كل شيء ولاسيما في أمور الدين؛
  3. أن الفتاوى كانت تتناول على الخصوص أمور العبادات والمعاملات ولم تعد تتناول أمور الشأن العام منذ أن تميزت في القرون الأولى المرامي السياسية لبعض الآراء الشاذة عند الفرق الدينية التي نبذها الجمهور؛
  4. أن مزيد انتشار التعليم وذيوع الكتب في العبادات وفق كل مذهب والتزام كل أناس بمذهبهم قلل من الكلام على الفتوى إلى غاية أعوام السبعين من القرن العشرين سيما وأن الدول قد اتخذت مدونات قانونية تضبط على الخصوص أمور المعاملات؛
  5. أن رجوع الكلام عن الفتاوى الذي تزايد في العقود الأربعة الأخيرة هيأت له عوامل عدة، منها:

1. الجهل بضوابط ممارسة هذه الخطة في تاريخ المسلمين؛

2. تزايد الأمية الدينية بين صفوف المتعلمين العصريين؛

3.ضعف التنزيل الديني للأساليب الحديثة للمشاركة في تدبير الشأن العام؛

4. تخوف بعض الفئات من مظاهر الحداثة في جميع المجالات وهو خوف تستغله فئات متنوعة من أدعياء المشيخة في الدين وجلهم إما من ذوي الأهواء وإما من أهل الضيق في الفهم الديني المستغلين لما يتوفر من حرية التعبير؛

5.تعطش الشباب إلى قيادات كاريسماتية، وهي حاجة يغتنمها طلاب الشهرة من المتصدرين لمشيخة الفتوى؛

6. يضاف إلى كل ما ذكر، ما نشهده من ثورة في وسائل الإعلام، واحتياج وسائل الإعلام كل يوم إلى ترويج ما لا يحصى من المعلومات، وتعد المعلومات المتعلقة بالدين من بين الأخبار الأكثر إثارة، مع العلم بأن هذه الصفة، أي الإثارة، تتوفر في الآراء الشاذة الهدامة أكثر مما تتوفر في القواعد التي أثبتت فعاليتها في البناء.    

 

وبعد هذه الملاحظات التمهيدية نشرع في صلب الموضوع ونقول:

لقد كثُرت في هذا العصر فوضى الفتاوى الشاذة والمضطربة التي لا يضبطها ضابط، ولا يَحْكُمُها ميزان، والتي تسير بل تطير في الناس بغير زمام ولا خطام، وزاد في الطين بلة، وفي الطبل نغمة؛ سرعة انتشارها وذيوعها اليوم، بعد أن أصبح العالم قرية واحدة، بسبب ثورة الإعلام والاتصال الحديثة، ولاسيما الفضائيات وما يُذاع فيها من فتاوى على الهواء، والشبكات العنكبوتية المختلفة، والصحف والمجلات السيارة، والهواتف الجوَّالة التي تجيب المستفتي عن سؤاله أحيانا قبل أن يرتدَّ إليه طرفُه، وهذا كلُّه وغيرُه وَسَّعَ آفاق انتشار الفتاوى الشاذة والمتسيبة؛ انتشار النار في الهشيم،فأصبح خطبها جسيما، وخطرها عظيما.

فاقتضى ذلك دَرْسَ هذه النازلة؛ دَرْساً فقهيا معاصرا؛ بتحديد ضوابط الحكم على الفتوى بالشذوذ، وتعيين الأسباب الباعثة على الفتاوى الشاذة، ثم البحث عن سبل العلاج والوقاية منها.

 

تمهيد: عن مفهوم الشذوذ في الفتوى لغة واصطلاحا

الشذوذ في اللغة: مصدر شَذَّ يشُذُّ شذوذا، والشَّاذّ: المنفرد عن الجمهور، أو الخارج عن الجماعة، وشَذَّ الكلام: خرج عن القاعدة وخالف القياس[1].

       ولم تَرِد هذه اللفظة في القرآن الكريم، ولكن وردت في السنة النبوية، فقد روى الإمام الترمذي في سننه عن ابن عباس مرفوعا: "يد الله مع الجماعة، ومن شَذَّ شَذَّ في النار"[2].

أما الشذوذ في اصطلاح الأصوليين والفقهاء: فالشّاذُّ في اصطلاح الحنفية والمالكية: هو ما كان مقابلا للصحيح أو المشهور أو الراجح، أي أنه الرأي المرجوح أو الضعيف أو الغريب[3].

التعريف المختار للفتوى الشاذة في هذا العصر:

ولم أقف على من عرَّف (الفتوى الشاذة المعاصرة) بخصوصها تعريفا دقيقا جامعا مانعا، لكن إذا جَرَيْنا على المعنى العام للفتوى: وهي الإخبار عن الحكم الشرعي، أمكن القول: بأن الفتوى الشاذة: هي الحكم المصادم للنص أو للدلالة القطعية للكتاب أو السنة، أو كان مصادما لما عُلم من الدين بالضرورة، أو مصادما لمقاصد الشرع أو قواعده أو مبادئه، فما كان من الفتوى بهذه الصفة، فهي الفتوى الشاذة، التي شذت عن المنهج الصحيح.

والفتاوى الشاذة بهذا المعنى في تراثنا الفقهي المحرر قليلة بل نادرة، أما في عصرنا هذا فهي كثيرة، تطير كل مطار، وتقرع أبواب القرى والمدن والأمصار، في كل وقت من الليل أو النهار.

 

فما هي ضوابط الحكم على الفتوى بالشذوذ والاضطراب؟ لقد اجتهدنا ما وسعنا الجهد في استخراجها؛ فبَلَغنا بها أحد عشر ضابطا.

 

المبحث الأول: ضوابط الحكم على الفتوى بالشذوذ

الضابط الأول: أن تصدر الفتوى من غير أهلها

وأهلها هم أهل الاختصاص في هذا المجال الموقعون عن رب العالمين. قال الإمام الشاطبي: "المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم"[4].

وهذا الضرب لا يسمى في الحقيقة فتوى إلا بزعم قائله، كالحديث الموضوع فإنه لا يسمى حديثا في الاصطلاح إلا بزعم قائله. ولهذا لا يَحِلُّ أن يتقحمَ الفتوى، وبيانَ الحلال والحرام، إلا من تأهل واستجمع شروط المفتي، وهي نفسها شروط المجتهد. وحالُ كثيرٍ من المفتين في هذا العصر على غير هذا المسلك السوي، والمهيع الرَّضِي.

فبعضهم ليس من أهل الاختصاص في ورد ولا صدر، وليسوافي العير ولا في النفير، ولا في قبيل ولا دبير، ومثلهم بعض الشباب الحدثاء الأسنان، الذين حسبوا أمر الفتوى سهلا طيِّعا، وأنها أضحت كلأ مباحا لكل من هبَّ ودبَّ، فإذا وقع أحدهم على حديث واحد؛ يُفتي به، ولا يدري ما قبله ولا ما بعده، فيطير به كل مطار، ناشرا فهمه الكليل، وفقهه العليل على الناس؛ وإذا أضيف إلى سوء الفقه سوءُ القصد؛ زاد الأمرُ ضِغْثاً على إِبَّالَة.

ولذلك كثُر من هاذين الصنفين هذا الضرب من الفتاوى الشاذة والمضطربة؛ التي جاء التحذير منها في آيات وأحاديث كثيرة، منها:

 

قال الله تعالى:﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾[5].

 

وهذه الآية المكية التي صُدِّرَ بها لهذا الدرس؛ قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في بيان معناها في تفسيره "أحكام القرآن": "لا تصفوا الأعيانَ (أي الأشياء) بأنَّها حلالٌ أو حَرَامٌ مِنْ قِبَلِ أنفسكم؛ إنما المحرِّمُ المحلِّل هو الله سبحانه"[6].

 

وقال تعالى:﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْاِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون﴾[7].

وكان إمامُ دارِ الهجرة ومعدنِ السنة مالك رضي الله عنه - لخوفه من الله تعالى وتحرجه من الفتوى- كثيرا ما يتلو قولَه تعالى: ﴿قل أرآيتم ما أنزل الله لكم من رزقٍ فجعلتم منه حراماً وحلالاً قُلْ آلله أذِنَ لكم أم على الله تفترون﴾[8].

قال ابن العربي المعافري عن هذه الآية: "وهي دليل على أن التحريم والتحليل لا يكونان عقلا ولا تشهِّيا؛ وإنما المحرِّم والمحلِّل هو الله"[9].

وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أُفْتِيَ بغير علم كان إثمه على من أفتاه"[10]. وهذا الحديث صريح في مسؤولية المفتي بغير علم.

وبعض المتعالمين في عصرنا الذين هم محلُّ تقديم وتصدير عند بعض الناس مع جهلهم بشروط الإفتاء؛ هم ممن ورد فيهم الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالما؛ اتخذ الناس رؤوسا جُهَّالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)[11].

قال الإمام ابن حزم، رحمه الله: (لا آفة على العلوم وأهلِها أضرُّ من الدُّخلاء فيها وهم من غير أهلها؛ فإنهم يجْهَلُون ويظنون أنهم يَعْلَمُون، ويُفْسِدُون ويُقَدِّرُون أنهم يُصْلِحُون)[12]، وقال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: (إذا تَكَلَّمَ المرءُ في غير فَنِّهِ أَتَى بهذه العجائب)[13].

وصنف ثالث هم من علماء الدين، ولكن لا علم لهم بالفقه وأصوله، والفتوى وعلومها، وإنما تخصصهم في علوم إسلامية أخرى. وقاصمة الظهر في هذا الأمر أن عوامَّ الناس لا يُفرِّقُون بين اختصاصات العلماء، بل سائرُهم يظنُّ الخطيب الْمِصْقَع، أو الواعظ البليغ، أو الداعية المشهور، أو المفكر الإسلامي الذائع الصيت، من أهل الفتوى، والحقيقة أنه ليس كل هؤلاء كذلك، فلكل علم رجالُه، ولكل فَنّ أهلُه، ورحم الله امرَءاً عَرَفَ قدْره، فوقف عنده.

وقد نَبَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ينبغي فِعْلُه إذا وقع ذلك في كل عصر من العصور، فقال: (يحملُ هذا العلمَ مِنْ كل خلف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)[14].

وإذا لم يقُم أهلُ العلم العدول بما أَمَرَ به الحديث النبوي؛ صارت الفتوى فوضى سائبة، لا يَتَبيَّن فيها صواب من خطأ، ولا صحيح من سقيم، ولا حق من باطل، ويختلط العالم بالجاهل، والحابل بالنابل، وتَنتشر البلبلة والفتنة، وتتسع دائرة الخلاف بين المسلمين التي يقصد الشرع الحكيم أن يُضَيِّقَها، فَيَكْثُر الشذوذ في الفتاوى، والتناقض والاضطراب فيها، والتسَيُّب والانفراط، ويتَعَذّرُ التحكُّم والانضباط.

ورحم الله من قال: لو سَكَتَ من لا يعلم لَقَلَّ الخلاف، ومن قال: العِلْمُ نُقطة وسَّعَها الجاهلون.

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله شديدَ الإنكار على هؤلاء، ولما قال له بعضُ هؤلاء يوما: أَجُعِلْتَ مُحْتَسِبًا على الفتوى؟ قال له: يكون على الخبَّازين والطبَّاخين مُحتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب[15].

وذَكَرَ مالكُ بنُ أنسٍ إمامُ دار الهجرة رضي الله عنه: أن رجلا دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن – إمام المدينة ومفتيها وشيخ مالك- فوجده يبكي؛ فقال له: ما يبكيك، أمُصيبة دخلتْ عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفتِيَ من لا علمَ له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، وبعضُ من يُفتي ههنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق[16].

 

الضابط الثاني: أن تصْدُرَ الفتوى في غير محلّها

وذلك: أن يكون موضوع الفتوى من المسائل المقطوع بحكمها في الشريعة، الثابتة بأدلة قطعية في ثبوتها ودلالتها، المعلومة من الدين بالضرورة، وهذه ليست محلا ولا مجالا للاجتهاد، ثم يأتي بعد ذلك من يزعم الاجتهاد فيها من جديد، والتجديد فيما لا يقبل التجديد، مدعيا استنباط حكم يخالف ما استقر عليه الفقه، واستمر عليه العمل، وأجمعت عليه الأمة.

ومن أمثلة الفتوى الشاذة التي صدرت في غير محلِّها بدعوى الاجتهاد والتجديد وتطور العصر، ما صار يدعو إليه البعض من التسوية بين الذكور والإناث في الميراث في كل الحالات دون استثناء، مناقضين بذلك صريح قوله تعالى:﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُُنْثَيَيْنِ﴾[17]. وهذا الكلام – إن سميناه فتوى واجتهادا تجوُّزا – فهو شاذ مردود على أصحابه، باطل مرفوض في ميزان الشريعة: لأنه صادر من غير أهله، ولأنه اجتهاد في غير محله.

ولذلك كان تعقيب الهيأة العلمية المكلفة بالإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى في جوابها عن طلب إفادة بتاريخ 8يونيو 2009م الفتوى الآتية: "أنه لا مجال للرأي في طلب التسوية بين الرجل والمرأة في الإرث في الحالات المنصوص فيها على التفاوت بينهما كما في الآية السالفة وغيرها، إذ لا اجتهاد مع وجود النص كما هو مقرر في القاعدة الأصولية الفقهية عند علماء الشريعة".

 

الضابط الثالث: أن تعارض الفتوى نصا من القرآن الكريم

فالقرآن يحرم وهي تبيح، أو هو يبيح وهي تحرم، أو يُوجب وهي تُسقط.فأي فتوى تخالف نص القرآن بدعوى الرأي أو الاجتهاد أو التجديد معارضةً جَلِيَّةً بيِّنة؛ فهي فتوى شاذّة مردودة، غير مقبولة.

ومثالها الفتوى الشاذة التي جنح إليها البعض في تجويزه زواج المسلمة بغير المسلم، والأصل أن من شرط صحة النكاح إسلامَ الزوج، قال تعالى: ﴿...وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُومِنُوا وَلَعَبْدٌ مُومِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَو اَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾[18]،  فالأصل تحريم نكاح المسلمة لغير المسلم.

وهي الفتوى الشرعية السديدة للهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى  عندما سئلت وأجابت بتاريخ 12أبريل 2012م، قائلة: "هذه المسألة وردت فيها نصوص شرعية قطعية الدلالة، واضحة المعنى، تمنع زواج المسلمة بغير المسلم، وتحرمه تحريما قطعيا، سواء أكان مشركا أو كتابيا، وأجمع علماء الشريعة على ذلك خلفا عن سلف، ولم يقل أحد بخلاف ذلك".

 

الضابط الرابع: أن تعارض الفتوى حديثا نبويا صحيحا صريحا أو متواترا

وللأسف الشديد فإن هذا يحدث كثيرا؛ للانفصام النَّكِد المبتدَع الذي وقع بين علم الفقه وعلم الحديث.

والأخطر من هذا؛ أن تكون هذه المخالفةُ الشاذةُ؛ لأحاديث العقيدة المتواترة القطعية الْمُثْبِتَة لعصمة الأنبياء ومعجزاتهم أو الغيب وأشراط الساعة:

ومثاله: ما ذهب إليه البعض من إنكارٍ لعصمة الأنبياء مطلقا، أو لمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم الحسية، زاعما أن لا معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن الكريم، مع ثبوت عدد من المعجزات في القرآن والسنة الصحيحة. ومثله ما ذهب إليه بعض الفقهاء المعاصرين الذي أنكر من أشراط الساعة نزولَ عيسَى بنِ مريم عليه السلام؛ بدعوى أنها تتعارض مع أصْلِ ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم. والأحاديث في ذلك متواترة قطعية الثبوت.وهذه وأمثالها أقوال شاذة باطلة.

 

الضابط الخامس: أن تعارض الفتوى إجماعا متيقنا قطعيا

       لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وهي معصومة بمجموعها. فمن خالف من أهل الفتوى إجماعَ الأمة في قضية من القضايا، أو مسألة من المسائل؛ عُدَّت فتواه شاذة، لا تقوم بها الحجة، ولا تكون على المحَجَّة، ولا يُعْتَدُّ بها عند علماء الأمة.

ومن أمثلة ذلك ما لا يزال يُفتي به البعض في عصرنا هذا بعدم وجوب زكاة عروض التجارة أي السلع والبضائع المعروضة للبيع، وهي مخالفة للإجماع الذي نقله غير واحد من العلماء الثقات، ولم يشذّ عن ذلك إلا الظاهرية[19]. قال ابن المنذر في كتابه "الإجماع": "أجمعوا على أن في العروض التي تُدَار للتجارة الزكاة؛ إذا حال عليها الحول"[20]. وذكر الإجماع على ذلك أيضا حافظ المغرب ابن القطان الكتامي الفاسي في كتابه "الإقناع في مسائل الإجماع"[21].

 

الضابط السادس: أن تعتمد الفتوى على قياس غير صحيح أو فاسد، أو يكونُ المقيسُ عليه واقعةَ عينٍ أو حالٍ لا عموم لها،

كمسألة رضاع الكبير التي أثارت ضجة لا معنى لها.

 

الضابط السابع: أن تخالف الفتوى مقاصد الشريعة

ذلك أن الاهتداء بالمقاصد في الفتوى أساسٌ لمن يريد حُسْنَ تنزيل الحكم الشرعي، وأن لا يكتفيَ بالوقوف عند حرفية النصوص، ويجْمُدَ على ظواهرها، ولا يتأملَ فيما وراء أحكامها من علل، وما تهدف إليه من مقاصد، وما تسعى إلى تحقيقه من مصالح. وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي المالكي: "إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا"[22].

ومثاله في عصرنا: إصرار البعض على الإفتاء بوجوب إخراج زكاة الفطر من الأطعمة فقط، ورَفْضِ القول بجواز إخراجها بقيمتها نقدا رفضا مطلقا، وينادون في الناس كل عام في أواخر رمضان: أن من أخرج زكاة الفطر نقودا فزكاته باطلة؛ لأنها خلافُ السنة، وعليه أن يُعيد إخراجها ثانية من الطعام حتى تُقبل.

 

وقد شاهدت بنفسي في أحد مساجد بلد أوروبي؛ حيث أفتاهم بذلك أحدهم؛ كيف يُؤتى بأحمال من الأرز؛ فتظل متراكمة لا يأخذها أحد، فيالله العجب !.

 

وإخراج القيمة نقدا -في عصرنا- هو الأيسر على المكلف، والأنفع للفقير، لا سيما في المدن والحواضر الكبرى، وقد صح هذا القول عن بعض كبار التابعين، وأئمة الأمصار المجتهدين، كما صح عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز[23].

وقد ألف الحافظ المغربي أحمد بن الصديق الغُماري رسالة لطيفة أسماها: (تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال)، ذهب فيها إلى جواز إخراج القيمة، بل إلى تفضيلها على غيرها في هذا الوقت.

وبجواز إخراجها بالقيمة نقدا؛ أفتت الهيأة العلمية المكلفة بالإفتاء بتاريخ فاتح شتنبر 2010م، وإن جعلت المرجع في القدر هو الصاع من أحد أنواع الأطعمة المقتاتة في البلد.

ومن شذوذ بعض الجماعات المعاصرة: ما أفتوا به من عدم اعتبار النقود الورقية التي يتعامل بها العالم كله نقوداً شرعية، تجب فيها الزكاة ويجري فيها الربا!لأن النقود الشرعية عندهم هي الذهب والفضة التي نصت عليها الأحاديث.

ومع ذلك فهذه النقود عندهم يدفعونها أجرة العمل، وثمناً إذا اشتروا، ومهراً للمرأة، وغيرها من التصرفات المالية الشرعية...

فكيف ساغ لهؤلاء أن يُغفلوا ذلك كله، لولا الغلو في النزعة الظاهرية الحرفية التي تتنكب مقاصد الشرع، والتي ذهبت بهم بعيداً عن الصواب.

 

الضابط الثامن: أن تسيء الفتوى فقه واقع المسألة

أي الخطأَ في تَصَوُّرِ أو تَصْوِيرِ الواقع الذي يَسأل عنه السائلُ تصويراً مغلوطاً على غير حقيقته، وإذا تصور المفتي الواقع على غير ما هو عليه؛ تكون فتواه شاذة ولابد.

ولذلك تميز أئمة المالكية بخصيصة الفقه الواقعي؛ إذ كان مالك رضي الله عنه إذا سُئل عن مسألة يقول للسائل: أوقعت؟ فيقول له: لا، فيقول: أنظرني حتى تقع.[24]

فصار من مميزات المدرسة المالكية وقوفها عند الواقع؛ الذي يجب على المفتي أن يتصوره تصورا سليما؛ حتى يحكم عليه حكما صحيحا.


الضابط التاسع: ألا تراعي الفتوى الذرائع والمآلات أي النتائج والعواقب،

والذرائع أي الاحتياطات تجنبا للضرر، سدا وفتحا؛ مرتبطة بفقه المآل ارتباطا وثيقا، وهي من أصول المالكية المرنة الواسعة التي تميزوا في الأخذ بها، وهي أساس الفتوى والإفتاء القويم، ومن غَفَلَ عنها أو أغفلها، ولم يُراعها من الْمُفْتِين كانت فتواه شاذة ولابد.

وقد حَثَّ الإمام الشاطبي المالكي على هذا الفقه الرشيد في التعامل مع السائل والمستفتي، فجعل من صفات المفتي الذكي الزكي: "أنه ناظر في المآلات، قبل الجواب عن السؤالات"[25].

ومن أمثلة النظر في المآل أي العواقب قبل العزم على الفعل قوله صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم؛

 

الضابط العاشر: ألا تراعي الفتوى المصالح المرسلة وتغيّر الزمان والمكان والحال والعُرف:

وتجمُدَ على حال واحدة، يلتزم بها المفتي ولا يحيد عنها. فهو يفتي بالمسطور في كتب المذهب أو المذاهب من قرون طويلة، والعالَم من حوله يدُور ويمُور ويفُور، والعصر يتغير جذريا في كل شيء، ولاسيما بعد الثورات المتتابعة: التكنولوجية والبيولوجية والإلكترونية والفضائية والمعلوماتية الْمُذْهِلة وغيرها.

وفي ذلك يقول الإمام القرافي المالكي وما أعظم ما قال: "إن استمرار الأحكام التي مدركُها العوائد مع تغير تلك العوائد: خلافُ الإجماع، وجهالةٌ في الدين، بل كلُّ ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة"[26].

وقال في موضع آخر: "فمهما تجدد من العُرف اعْتَبِرْه، ومهما سقط أسقِطْه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاء رجل من غير إقليمك يستفتيك، لا تجبره على عُرف بلدك، واسأله عن عُرف بلده، وأجْرِه عليه، وأفته به، دون عُرف بلدك، والْمُقَرَّرِ في كُتُبِك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلالٌ في الدين، وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين، والسلفِ الماضين"[27].

ومن أمثلة ذلك ما ذكره الفقهاء المالكية قديما، عن مالك الصغير ابن أبي زيد القيرواني، قال صاحب"منح الجليل": "وَقَدْ اتَّخَذَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ كَلْبًا فِي دَارِهِ حِينَ وَقَعَ حَائِطٌ مِنْهَا وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الشِّيعَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إن مالكا يكره اتخاذ الكلاب، فَقَالَ لَوْ أَدْرَكَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ زَمَنَنَا لَاتَّخَذَ أَسَدًا ضَارِيًا"[28].

 ومن هذا النوع من الفتاوى الشاذة المعاصرة: إصرار بعض المفتين إلى اليوم على القول بتحريم التصوير الفوتوغرافي بل التلفزيوني أخذا بظاهر لفظة التصوير دون النظر إلى علة المضاهاة الواردة في نفس الأحاديث.

 

الضابط الحادي عشر: أن تخالف الفتوى قوانين دولة من الدول الإسلامية المأخوذة من الشريعة الإسلامية

والتي تصدر في هذا العصر عن بعض أهل العلم وتُلحق ضررا بالغا بمصالح المجتمعات الإسلامية وتطورها، بزعمهم أن الأحكام الشرعية هي المسطورة في كتب الفقه المذهبي، وأن جميع ما تصدره الدولة من تشريعات طبقا لأنظمتها الدستورية الحديثة -بصرف النظر عن مضمونها هل هو موافق أو مخالف للشريعة أو هل يستند إلى المصالح المرسلة أو غيرها من الأدلة-  تُعَدُّ قوانين وضعية وهي في نظرهم القاصر مخالفة لحكم الله ورسوله.

 فحتى مدونة الأسرة المأخوذة جملة وتفصيلا من الشريعة الإسلامية من مختلف مدارسها الفقهية، والتي صاغت قوانينها لجنة أغلب أعضائها علماء؛ نجد اليوم من يتوهمها من جملة القوانين الوضعية، وبعض الباحثين والدارسين يقارنون في دروسهم وأبحاثهم بين قوانينها وبين "الأحكام الشرعية"، فيدعي بزعمه أن المدونة شيء، والأحكام الشرعية شيء آخر.

 

المبحث الثاني: الأسباب الباعثة على الفتوى الشاذة، لأن العلاج لا يتأتى إلا بتشخيص الأسباب الْمُوقِعَة في الشذوذ؛ ويمكن إجمالها فيما يلي:

 

السبب الأول: تصدُّرُ من ليس مؤهلا للفتوى

وقد تقدم هذا النوع ممن لا يفقه نقيرا من قطمير في علوم الشريعة، ولا يفهم كوعا من بوعٍ من أمر الفتوى، ولم يقرأ كتابا واحدا في الفقه أو أصوله، ويتوهم كل سقف سماء، وكل مائع ماء؛ ومع ذلك يتجرأ على الفتوى، في أمور كبرى؛ لو عُرضت على عمر لجمع لها أهل بدر.

 

السبب الثاني: التسرّع في الفتوى

ومن أسباب الشذوذ: السرعة في الإفتاء، والعجلة في الإجابة، وترك الأناة، توهما أن هذا دليل على المعرفة والعلم، وأن التمهل والتريث عنوان الجهل والعِيِّ، فالمفتي الحاذق المتقن هو الذي يملك الجواب عن كل سؤال أو استفتاء.

وأكثرُ ما يقع فيه التسرع فتاوى الفضائيات التي يسمونها "الفتاوى على الهوا"، فيشُوبُها في الغالب استعجال مذموم، وتسرع غير محمود، حتى إنك لا تسمع أبدا كلمة " أنظرني" أو "لا أدري" أو ما يُشبههما، "ومن أخطأ لا أدري أصيبت مقَاتِلُه"[29] كما قال إمام دار الهجرة مالك رضي الله عنه.

 وفي أحيان كثيرة لا يُمَكِّن المذيعُ السائلَ من تفصيل وبيان مسألته، وكذلك لا يتمكَّن المفتي من الاستفسار من السائل؛ وذلك بحجة كثرة المتصلين وضيق وقت البرنامج.

وأحيانا يكون التسرع في الجواب بسبب عدم فهم المفتي لألفاظ ولهجة المستفتي، مع اختلاف الأعراف والعادات، كأن يكون المستفتي مغربيا والمفتي مشرقيا، فالمستفتي يُغَرِّبُ بلهجته وعاميته، والمفتي يُشَرِّق، وشتان بين مُشرِّق ومُغَرِّب، وقد لاحظت هذا بنفسي في بعض برامج الفضائيات المخصصة للفتوى، فيأتي الجواب متسرعا مضطربا وربما شاذا. فلذلك كان الواجب على المستفتين استفتاء علماء بلدهم لأنهم أدرى بشعابه، وأعرافه، وأحواله.

 

السبب الثالث: الإعجاب بالرأي وحُبُّ الشهرة والظهور:

وقد قال أهل التربية: "حب الظهور يقصم الظهور"، والاستنكاف عن مشاورة من هو أفقه منه، وهو أدعى للصواب. ولذلك اتخذ أمراء المغرب والأندلس للقضاة فقهاء آخرين سمَّوْهُم المشاوَرين؛ تصدر مراسيم بتعيينهم، ويشاورهم القاضي في أحكامه؛ حتى تكون أقرب إلى السداد.

 

السبب الرابع: اتباع أهواء العامةولاسيما الأهواء السياسية

بإفتائهم بالرخص فيما لا يُتَرَخَّص فيه، والتلفيق بين المذاهب، وتتبع شواذّ المسائل، بما يوافق أغراضهم وأهواءهم، بدعوى التيسير ورفع الحرج عن الناس والرفق بهم، ومَنْ فَعَلَ هذا فقد جمع الشر من أطرافه، وأصبح مفتيا ماجنا ينبغي الحجر عليه ومنعه من الفتوى.

ومن الأسباب الباعثة على هذا المسلك الشاذ في عصرنا، حب بعض المحسوبين على الفتوى والإفتاء للظهور بمظهر العالم العصري المستنير والمنفتح، الذي يُطَوِّعُ الإسلام لكل ما استجد من مستجدات وتحولات وتقلبات.

مثالُ ذلك ما روَّجه بعضُهم في بلد غربي من الإفتاء بجواز إمامة المرأة في الصلاة للرجال والنساء، ووقوفهم في الصلاة جنبا إلى جنب، وخطبتها الجمعة بهم، مجاراة لتسوية النساء بالرجال في جميع الأحكام دون تمييز.

وقد أحسنت الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء في المغرب فأصدرت في هذه النازلة فتوى حول حكم إمامة المرأة في الصلاة جوابا عن سؤال بتاريخ 26ماي 2006م، حكمت فيها بالمشهور والراجح الذي به العمل في المذهب المالكي المعتمد إلى عدم جواز إمامة المرأة في الصلاة، وهذا لا يحمل أي منقصة للمرأة، وليس يدل على أي نوع من أنواع الحط من مكانتها، فمعيار المساواة هو الأحكام وقد قرر الإسلام كما هو معلوم أن النساء شقائق الرجال، وإنما مسألة الإمامة هو حكم شرعي راعى مقاصد وموجبات أخرى.

 

السبب الخامس: الغلو في التشدد

وفي مقابل ذلك تَشَدُّدُ بعضِ أهل الفتوى فيما يَسَّر فيه الشرع، والتحجير فيما وسع فيه، وإلزام الناس بالعُسر دائما، ويكون الباعث على ذلك غالبا: إظهار عدم التساهل في الدين، وشدة التقوى، والتزام الورع، والأخذ بظواهر الأحكام وإن كانت شاذة، وغَمْز الآخرين بأنهم متساهلون منحرفون.

وقد قال إمام الفقه والحديث والورع سفيان الثوري:"إنما العلم الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كلُّ أحد"[30].

 

السبب السادس: الغلو في اعتبار المصلحة والمقاصد المتوهمة

فهي مِن أسباب شذوذ الفتوى في الاجتهاد المعاصر، إلى حد تقديمها على محكمات النصوص أحيانا، والمالكية أنفسهم الذين اعتبروا المصلحة المرسلة أصلا ودليلا قائما بنفسه، وتميزوا بها، لم يعتبروها إلا بشرط عدم معارضتها للنصوص الشرعية والقواعد المرعية، والذي ينبغي اعتباره بهذا الصدد أن الشرع لا يصدم مصلحة واضحة ولكنه فوق الفهم البشري في بعض الأحكام، ولا يجوز إخضاعه لفهم وقت معين، والفهوم الوقتية قابلة للأخذ والرد والتجاوز لأنها بشرية نسبية. 

 

المبحث الثالث: سبل العلاج والوقاية من الفتاوى الشاذة

المطلب الأول: سبل علاج شذوذ الفتاوى

من سنن الله تعالى الكونية أن جعل لكل داء دواء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)[31]، وهذا يشمل عامة الأدواء الفكرية والاجتماعية والبدنية، وهذه بعض المقترحات للعلاج:

أولا:محاربة ما بات يسمى اليوم بالأمية الدينية: وذلك بتفقيه عامة المسلمين بالحد الأدنى من الفقه الشرعي الواجب.

وهذا يجعل الرأي العام في المجتمعات الإسلامية، يُنكر بحكم هذا التكوين العلمي المنشود؛ الفتاوى الشاذة المصادمة لما عرفه وعَهِدَه، وجرى به العمل في بلده. وهذا ما تقوم به اليوم مشكورة مأجورة المجالس العلمية في سائر أنحاء المملكة.

 ثانيا: وجوب حرص الفقهاء الراسخين المعتبرين على القيام بواجبهم في التحذير من هذه الفتاوى الشاذة؛ إذا صدرت من مُفتٍ فذاعت وانتشرت، وذلك عبر وسائل الإعلام والاتصال المتنوعة. وإذا كثُرت الفتاوى الشاذة من شخص؛ فإنه ينبغي على المؤسسة العلمية  أن تُحَذَّر منه، لئلا يغتر به جمهور المسلمين، وهذا من النصيحة الواجبة، وليس من الغيبة المحرمة، وفي جميع الحالات فإن الحل الحاسم هو أن يقوم العلماء بتربية الجمهور على التمييز وعلى اكتساب المناعة ضد مرض الفتاوى الشاذة التي تستغل حرية التعبير المكفولة للجميع.

 ثالثا:الرد العلمي على المفتي الذي صدرت منه الفتوى الشاذة: وبيان وجه شذوذ فتواه، وخطأ دعواه، في التآليف والمقالات المكتوبة، ردّا علميا هادئا، يقوم على الحجة والدليل، ليستبين السبيل، وإقناعه بالرجوع عن فتواه الشاذة.

 المطلب الثاني: سبل الوقاية من شذوذ الفتاوى

هذا تداركٌ للفتوى الشاذة إذا وَقَعَت وذاعت وفشت، أما قبل وقوعها فينبغي البحث عن سبل الوقاية منها، والوقاية خير من العلاج كما قيل. وفي الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم:(ومن يتحرَّ الخيرَ يُعْطَه، ومن يَتَوقَّ الشَّرَّ يُوقَه)[32].

وهذه جملة أمور يمكن أن تقيَ من شرور ومخاطر الفتاوى الشاذة:

أولا:أن لا يُنَصَّبَ للفتوى إلا المؤهلون: ومَنْ شَهِدَ له العلماء الثقات، الراسخون الأكابر، والمؤسسات العلمية المعتبرة، الذين عرفوه وخبروه بالمخالطة والمعاشرة. فليس مجردُ تخرجه من جامعة شرعية أو حصوله على درجة علمية، يَسْمَحُ له بالإفتاء.

 ثانيا:إحياء نظام الإجازات العلميةللمفتين: وهي سُنَّةٌ علميةٌ مُعَطَّلَةٌاليوم، حتى أضحى أمرُ الإفتاء فوضى، وقد كان منهج علماء الأمة أن لا يُقْدِمُ أحدُهم على الفتوى إلا بعد إجازة كبار علماء عصرهم لهم بذلك. قال إمام دار الهجرة مالك رضي الله عنه: "ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك"[33].

ثالثا:ضرورة نفرة العلماء المؤهلين المأذون لهم وتصدرهم للفتيا: في مختلف المواقع والفضائيات ووسائل الإعلام، وعدم إحجامهم عن ذلك، فإنهم إذا لم يتصدَّوْا لأسئلة الناس ومشاكلهم؛ فإن كثيرا من أدعياء الفقه والفتوى سيخلو لهم الجو، فيجدونه حِمًى مستباحا يرتعون فيه ويمرحون، ويصولون ويجولون، إذ الطبيعة لا تقبل الفراغ كما يقال.

هذا وبقدر ما يتحمل العلماء المؤهلونالمكلفون مسؤولية العمل للاستجابة كماً وكيفاً لطلب الجمهور على الفتاوى، بقدر مايتحمل المتجرؤون على الفتوى طلباً للزعامة الكاذبة واستجابة وخدمة لمختلف الأهواء،يتحملون مسؤوليتهم أمام الله في الفتنة التي يحدثونها أمام الله فليس لعملهم أصلشرعي لا في عمل السلف الصالح ولا في مناهج الدعوة وخدمة الدين وفي ما يحمد من نفععباد الله المؤمنين.

رابعا:التكوين المستمر لأهل الفتوى: بما يوسع مداركهم وانفتاحهم على مستجدات العصر، وتدريبهم على ممارسة الفتوى.

خامسا: اقتراح إنشاء كلية أو معهد متخصص في الفتوى في المغرب: وذلك لإعداد العلماء المؤهلين، والمفتين الراسخين.

سادسا:الفتوى الجماعية المؤسسة والمنظمة تَأْمَنُ من منزلقات الفتاوى الشاذة: وبخاصة في قضايا الشأن العام من شؤون المجتمع أو الدولة، فهذه لا ينبغي أن تكون مجالا للاجتهاد الفردي وفتاوى الأفراد، وإنما ينبغي إحالتها على الهيئات العلمية الشرعية.

وهذا الأمر من أنجع السبل للوقاية من انفراط الفتوى وعدم انضباطها، ويحافظ على تآلف الأمة، وجمع كلمتها، ويجنبها الشقاق، والتفرق المذموم. ذلك أن عصرنا يمتاز بكثرة النوازل المستجدة، والوقائع المستحدثة؛ في المجالات الطبية والمالية والسياسية وسائر القضايا المعاصرة. وهذه مسائل معقدة، تحتاج إلى بذل غاية الوسع لفهمها وتصورها، وهذا أمر تنوء به العصبة أولو القوة، فكيف بجهد فرد من الأفراد، بل قد لا تستطيع المؤسسة العلمية والفقهية نفسُها  فهمَها إلا من خلال مراجعة الخبراء والمتخصصين في مجالاتها، لذا كان أمرُ الاجتهاد الجماعي المؤسسي في مثل هذه القضايا ضرورةً يوجبها الدين، وحاجةً يقتضيها العصر.

ولتوحيد جهة الفتوى ومرجعيتها، ومنع تضاربها وشذوذها؛ أعلنتم مولاي أمير المومنين في الظهير الشريف الصادر في 2ربيع الأول 1425هـ  22أبريل 2004م قائلين: "ومن المهام الجسيمة التي تنتظر مجالسنا العلمية، مهمة القيام بأمانة الإفتاء الشرعي في النوازل الطارئة والوقائع المستجدة، والانكباب على هذه المهمة الملحة باجتهاد جماعي ينأى بها عن الذاتية والانغلاق، ويحقق به مقاصد الشرع الأسمى في التيسير ورفع الحرج، وفي الوسطية والاعتدال ".

 

   فكانت تجربة رائدة غير مسبوقة، حسمت أمر فوضى الفتاوى وتسيبها؛ دستوريا، وعملت على توحيد الأمة ومرجعيتها، وتحصينها من الفتاوى الشاذة الغريبة، وهو عمل يقوم مقام الإجماع الأصولي المتعذر الآن ويسُدُّ مَسَدَّه.

 

و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

 

 أدام الله عزكم يا مولاي، وحفظكم، وأبقاكم ذخرا لهذه الأمة، والختمُ لمولانا أميرِالمومنين.



- مختار الصحاح، ولسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، مادة: شذ.[1]

- رواه الترمذي في الفتن رقم (2166)، وقال حديث غريب لا نعرفه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه.(1759).[2]

- انظر: حاشية ابن عابدين 1/50، وفتح العلي المالك لعليش 1/61-62، والخرشي 1/35-36، والعدوي عليه.[3]

- الموافقات، للشاطبي،4/244، دار المعرفة، بيروت، تحقيق: عبد الله دراز.[4]

- النحل: 116.[5]

[6]- أحكام القرآن 3/166. ت.محمد عبد القادر عطا.           

- الأعراف: 33.[7]

[8]- يونس: 59، انظر: انتصار الفقير السالك، ص:197.

[9]- أحكام القرآن 3/11.

 - أخرجه أبو داود (3657) وابن ماجة (53) وغيرهما، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي[10]

داود 2/410.

- متفق عليه، أخرجه البخاري،كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، رقم: 100، ومسلم، [11]

باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل، رقم:6971.

 - الأخلاق والسير، لابن حزم،، ص: 91، تحقيق إيفا رياض، راجعه وقدم له وعلق عليه عبد الحق التركماني، دار ابن حزم بيروت.[12]

 - فتح الباري 3/584.[13]

[14]-رواه ابن جرير الطبري، وابن عدي في الكامل 1/152، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث، ص: 40، وابن عبد البر في التمهيد 1/59، وحسنه الحافظ العلائي بقوله " هذا حديث حسن غريب صحيح" وقواه ابن القيم في " مفتاح دار السعادة" 1/ 497 لتعدد طرقه.

 - إعلام الموقعين 4/217. دار الجيل، بيروت، 1973م، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد.[15]

3-أدب المفتي والمستفتي، لابن الصلاح، 1/ 19-20،دار المعرفة، بيروت، ط1، 1406هـ - 1986م، تحقيق: الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي، ومعه فتاوى ابن الصلاح.

 - النساء: 11.[17]

- البقرة: 221. -[18]

[19] - انظر: المحلى لابن حزم 5 /209، طبعة دار الفكر، والدراري المضية شرح الدرر البهية للشوكاني 2/159، دار الكتب العلمية بيروت 1407 هـ 1987م، والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني 1/237، دار ابن حزم بيروت، ط 1، والروضة الندية شرح الدرر البهية للصديق حسن خان القنوجي 1/194، ط دار المعرفة.

- الإجماع، لابن المنذر، ص: 14، دار الكتب العلمية، بيروت،ط.2، 1408هـ، 1988م.[20]

[21]- 2/ص642، رقم: 1133، طبعة دار القلم، دمشق، تحقيق: فاروق حمادة.

1- الموافقات للشاطبي 2/9، بتحقيق: مشهور حسن آل سلمان.

- انظر: المحلى، لابن حزم 6/130-131،تحقيق:أحمد شاكر.[23].

 

[24]- انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك، للراعي الأندلسي، ت.أبي الأجفان،ص:197، دار ابن حزم، بيروت، ط1 2010 م.

- الموافقات، 4/232، المسألة الثالثة عشرة، دار المعرفة، بيروت، تحقيق: عبد الله دراز.[25]

- الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، ص: 231،ط حلب، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي[26]

غدة.

- الفروق 1/176-177، الفرق الثامن والعشرون.[27]

- منح الجليل شرح مختصر خليل، باب في البيع،(9/369)، نسخة المكتبة الشاملة.[28]

- ذكرها ابن الصلاح، ونسبها لمالك بن أنس يرويها عن شيخه محمد بن عجلان، في أدب المفتي [29]

والمستفتي ص:10، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1406هـ، 1986 م.

 - رواه ابن عبد البر في جامع بين العلم وفضله، 2/946، [30]

تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، ط4، دار ابن الجوزي،المملكة العربية السعودية، صفر 1419هـ-1998م.

[31]- أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5559).

1- جزء من حديث أخرجه الدارقطني في الأفراد 1/266، والخطيب في التاريخ 9/127، عن أبي هريرة، ورواه الخطيب عن أبي الدرداء مرفوعا، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع الصغير(2328).

- الفقيه والمتفقه 2/325.[33]


 


2532

0






 

 

 
هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



السنن الكونية والاجتماعية في القرآن الكريم

أحكام شرب الماء في الشريعة الاسلامية وفوائدها الصحية والبيئية

النص الكامل للدرس الحسني للدكتور توفيق الغلبزوري في حضرة جلالة الملك

شهادة الدكتور محمد فاروق النبهان في حق الشيخ محمد حدو أمزيان

النص الكامل للدرس الحسني للدكتور توفيق الغلبزوري في حضرة جلالة الملك





 
القائمة الرئيسية
 

» الرئيسية

 
 

»  دروس مرئية

 
 

»  السيرة الذاتية

 
 

»  إصدارات

 
 

»  دراسات وأبحاث

 
 

»  صور لصاحب الموقع

 
 

»  أخبار وتقارير

 
 

»  اسألوا أهل الذكر

 
 

»  أهداف الموقع

 
 

»  حوارات

 
 

»  مقال الشهر

 
 

»  الصحافة

 
 

»  قالوا عن الموقع

 
 
مقال الشهر

الشيخ محمد العربي بن أحمد الخطيب

 
قالوا عن الموقع

قالوا عن الموقع

 
السيرة الذاتية

إصدار جديد بمدينة تطوان


ملامح من السيرة الذاتية لصاحب الموقع

 
حوارات

مجلة الفرقان في حوار مع فضيلة الشيخ توفيق الغلبزوري

 
بحوث ومقالات
 
 شركة وصلة  شركة وصلة