مرحبا بكم على موقع فضيلة الدكتور توفيق الغلبزوري         شهادة الدكتور محمد فاروق النبهان في حق الشيخ محمد حدو أمزيان             ثلاث إصدارات جديدة لصاب الموقع الدكتور توفيق بن أحمد الغلبزوري             الشيخ محمد العربي بن أحمد الخطيب             الشيخ العلامة العربي الُّلوه             ترجمة قصيرة للعلامة الفقيه الدكتور امحند الورياغلي             إصدار جديد بمدينة تطوان             النص الكامل للدرس الحسني للدكتور توفيق الغلبزوري في حضرة جلالة الملك             إصدار جديد للدكتور توفيق الغلبزوري بتطوان             كلمة في حق الدكتور عبد اللطيف الطاهري بقلم الدكتور خالد الصمدي             كلمات في حق الدكتور عبد اللطيف الطاهري بأنامل الاستاذ الحسن السرات             الدكتور توفيق الغلبزوري في درس حسني رمضاني أمام الملك محمد السادس            كلمة لرئيس المجلس العلمي بفاس حول المشهد الإعلامي الإلكتروني            الدكتور توفيق الغلبزوري أثناء مشاركته في ندوة علمية دولية بفاس            الروائي والباحث المغربي الدكتور عبد الإله بن عرفة يتحدث عن صورة الإسلام في المواقع الإلكترونية الغربية            الدكتور توفيق بن أحمد الغلبزوري في برنامج حياة القلوب بالدوحة بقطر            محاضرة بدولة قطر حول موضوع خريف مضى وربيع آت            خطبة الجمعة في حضرة أمير المؤمنين بتطوان            محاضرة الدكتور توفيق بن أحمد الغلبزوري بالسويد            الغلبزوري في برنامج "مسارات" بدولة قطر             السنن الكونية في القرآن الكريم في برنامج حياة القلوب           
دروس مرئية

الدكتور توفيق الغلبزوري في درس حسني رمضاني أمام الملك محمد السادس


كلمة لرئيس المجلس العلمي بفاس حول المشهد الإعلامي الإلكتروني

 
أهداف الموقع

أهداف الموقع

 
البحث بالموقع
 
جريدتنا بالفايس بوك
 
الصحافة

مقال حول الشيخ محمد حدو أمزيان-رحمه الله- بجريدة أصوات الريف

 
 

الإسلام والعنف من منظور "رسائل النور"


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 11 ماي 2012 الساعة 03 : 22


 

 


الإسلام والعنف من منظور "رسائل النور"

 

تمهيد قصير: عن نبذ الإسلام للعنف

        إن منهج الدعوة الإسلامية، يقوم على الرفق واللين، والرقة والرحمة، ولا يقوم على العنف والعصبية، والغلظة والفظاظة.

        وعين القرآن هذا المنهج بقوله تعالى: )ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن(([1])، والجدال بالتي هي أحسن، يعني الحوار مع المخالفين بأحسن الطرق، وأجمل الأساليب، بالتيسير لا التعسير، وبالتبشير لا التنفير.

        وقد دعت سنة الرسول r إلى الرفق واللين واللطف في الدعوة والحوار والمعاملة. من ذلك: عن عائشة رضي الله عنها: «إن الله رفيق يحبُّ الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه»([2]).

وعنها أيضا: عن النبي r: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْـزَعُ من شيء إلا شَانَه»([3]).

وقال r: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرين، ولم تُبْعَثُوا معسرين»([4]).

وقال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا»([5]).

        نجتزئ بهذا، لأن الآيات والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى، وأوفر من أن تستقصى، ونمضي إلى بيت القصيد وهو: كيف عالج "بديع الزمان" موضوع العنف من خلال رسائل النور؟

أ-أسباب العنف عند النورسي من خلال رسائل النور

        نشير في البداية إلى أن أسلوب رسائل النور نفسه غير عنيف في مـجمله، فإننا نراه ينساب لينا رقيقا جدا وكأنه همسات قلب، بعبارات سلسة وجميلة تدخل إلى القلب والعقل من غير استئذان.

        وحين استقرائنا لأحاديث "النورسي" عن العنف وكيف عالجه الإسلام، وجدناه في منهجه يُعَيِّنُ أولا أسباب العنف في العالم، فيجعل منها:

        1-الظلم والاستبداد:

        يرى النورسي أن الاستبداد أصل كل فساد، وهو المنبع الأول لفقدان الأمن والاستقرار، وانتشار العنف والذعر والقلق، وهاهو يعرف معنى الاستبداد فيقول:

«الاستبداد هو التحكم، أي المعاملة الكيفية الاعتباطية، أي الـجبر بالاستناد إلى القوة، أي الرأي الواحد...المفتوحة أبوابه لتداخل المفاسد، وما هو إلا أساس الظلم، وماحي الإنسانية، وهو الذي دحرج الإنسان المكرَّم إلى أسفل سافلين في السفالة، وهو الذي أوقع العالم الإسلامي في المذلة...وهو الذي أيقظ الأغراض والخصومات...وهو الذي سرى سمه في أعصاب العالم الإسلامي...وهو الذي أوقع الاختلافات المدهشة»([6]).

        والحرب العالمية الثانية إنما قامت عند النورسي لهذا السبب ذاته: الظلم والاستبداد، وفي ذلك يقول: «لقد قاست البشرية من ويلات هذه الحرب العالمية الأخيرة أي مقاساة، إذ رأت أشد أنواع الظلم، وأقسى أنواع الاستبداد والتحكم، مع الدمار الظالم المريع في الأرض كافة، فقد نكبت مئات الأبرياء بـجريرة شخص واحد، ووقع المغلوبون على أمرهم في بأس وشقاء مريرين، وبات الغالبون في عذاب وجداني أليم لعجزهم عن إصلاح دمارهم الفظيع، وخشيتهم من أن يعجزوا عن الحفاظ على سيادتهم»([7]).

        ويقول: «إن التيار الاستعماري الاستبدادي، تيار ظالم ومناف لطبيعة العالم الإسلامي، ومباين لمصالح الأكثرية المطلقة من أهل الإيمان»([8]).

ويلفت النظر إلى أن استبداد الحكومات يؤدي إلى استبداد الأفراد، وهكذا ينشأ في الأمة استبداد مطلق، ويتحول الناس إلى جماعة من الفراعنة والمستبدين.

        يقول: «إن لم تنضبط الحرية بالشريعة؛ فإن ما أطلقتموه من استبداد ضعيف جزئي اضطر إليه شخص، يصبح استبدادا عظيما يوزع على الناس كافة، ويغدو كل شخص مستبدا بذاته، فيتولد عندئذ استبداد مطلق، وينقلب الاستبداد الواحد إلى الألوف، بمعنى أن الحرية ستموت، ويولد استبداد مطلق»([9]).

        ويكره التلاعب بالألفاظ والمصطلحات، وتسمية الأشياء بغير أسمائها، كتسمية الاستبداد حرية، والظلم قانونا، وفي هذا الصدد يقول: «وأنا حين أعترض على الجزء الفاسد من المدنية، وعلى الاستبداد المطلق المستتر بستار الحرية، وعلى الظلم الشديد الواقع على الدين وأهله تحت قناع العلمانية، هل أكون خارجا عن نطاق القوانين، أم مدافعا عن الدستور بحق وصدق؟»([10]). ويقول: «إن الذين آستغفلوكم وضللوا المراجع العدلية وشغلوا الحكومة بنا؛ بـما يجلب الضرر للأمة وللوطن، هم المعارضون لنا من الملحدين والزنادقة والمنافقين، فهؤلاء خدعوكم وشغلوا الحكومة عندما أطلقوا اسم الجمهورية على الاستبداد المطلق، واسم النظام على الارتداد المطلق، واسم المدنية على السفاهة الصرفة، واسم القانون على ما وصفوه من أمور قسرية واعتباطية وكفرية...»([11]).

        ولا يكتفي "النورسي" بإدانة الاستبداد المفضي إلى العنف، بل يقدم العلاج الذي يراه متمثلا في التربية الإسلامية الحقة والشريعة الغراء، وفي ذلك يقول -رحمه الله-: «هذا وإن الاستبداد المتعسف لا صلة لـه بالشريعة الغراء، وإن الشريعة قد أتت لهداية العالم أجمع، كي تزيل التحكم الظالم والاستبداد»([12]).

        ويقول: «إن لم تُرَبَّ الحرية بالتربية الإسلامية فستموت، ويولد مكانها الاستبداد المطلق»([13])، ويقول أيضا: «إن الاستبداد ظلم وتحكم في الآخرين، أما المشروطية فهي العدالة والشريعة»([14]).

        ويرى كذلك أن مفتاح علاج العنف المتمثل في الاستبداد لا يكون إلا بالشورى والحرية المنضبطة بالشريعة، قال مبينا ذلك: «إن المدخل الأول لتقدم آسيا والعالم الإسلامي في المستقبل هو المشروطية المشروعة، والحرية التي هي ضمن نطاق الشريعة، وإن مفتاح حظ الإسلام وسعده، ورُقيه موجود في الشورى....»([15]).

2-الجهل والتعصب:

        من معاني التعصب الذي يقود إليه الجهل –فهما مقترنان- هو أن يغلق الإنسان عقله على فكرة معينة، ولا يسمح لنفسه بفتح أي نافذة للحوار مع مخالفيه في العقيدة، أو في الفكر، أو في الرأي الفقهي، أو السياسي، ولا يسمح بنقد نفسه أو مراجعتها مرة واحدة، بل رأيه دائما هو الصواب، الذي لا يحتمل الخطأ، ورأي غيره هو الخطأ، الذي لا يحتمل الصواب، وهذا النوع من الجهل والتعصب موجودان في كل زمان ومكان، وفي شتى الأمصار والأعصار.

        وقد عدَّ النورسي هذين –الجهل والتعصب- عاملين من عوامل العنف في المجتمعات يقول: «نعم، إن شأن الإسلام الصلابة في الدين؛ وهي الـمتانة والثبات والتمسك بالحق، وليس التعصب الناشئ عن الجهل وعدم المحاكمة العقلية، وفي نظري إن أخطر أنواع التعصب هو ذلك الذي يحمله قسم من مقلدي أوروبا وملحديها، حين يصرون بعناد على شبهاتهم السطحية، وليس هذا من شأن العلماء المتمسكين بالبرهان»([16]).

ويبين أن من أنواع الجهل المفضي إلى التعصب المقيت الذي يولد العنف، هو انفصال العلوم الدينية عن العلوم الحديثة لدى المتعلم، وفي هذا المعنى يقول:

«نعم، ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلى الحقيقة، فتتربى همة الطالب، وتعلو بكلا الجناحين، وبافتراقهما يتولد التعصب في الأولى، والحيل والشبهات في الثانية»([17]).

        وإن التعصب المذهبي الأعمى –في منظور النورسي- هو الذي يؤدي إلى النـزاع فالعنف، لأنه لا يقبل رأي المخالف، ويغلق الأبواب والنوافذ في وجه كل محاور، يسعى إلى التقارب، لأن شأنه التعميم والإطلاق وفي هذا المعنى يقول:

«إن صاحب كل مذهب يحكم حكما مطلقا مهملا؛ من دون أن يُعَيِّنَ حدود مذهبه، إذ يدعه لاختلاف الأمزجة، ولكن التعصب المذهبي هو الذي يُوَلِّدُ التعميم، ولدى الالتزام بالتعميم ينشأ النـزاع»([18]).

3-الإلـحاد وتردي الأخلاق:

        يتحدث "النورسي" عن واقع عصره مبينا كيف أدى عامل الإلحاد وتردي الأخلاق إلى العنف والإرهاب فيقول: «...فإن فساداً أبشع من فساد ياجوج وماجوج قد دب في العالم، وأحاطه بظلمات الإرهاب والفوضى، وعمت الحياة والأخلاق مظالم شنيعة، وإلحاد شنيع، فظهر الفساد في البر والبحر، نتيجة تزلزل السد القرآني العظيم، وهو الشريعة المحمدية الغراء»([19])؛ ويقول في موضع آخر: «فساد جو من الذعر والإرهاب في أرجاء البلاد...ونشطت الصحافة في نشر الابتذال في الأخلاق، والاستهزاء بالدين، فانتشرت كتب الإلحاد، وحلت محل (كلمات) الله، الرب، الخالق، الإسلام (كلمات) الطبيعة، التطور، القومية التركية...إلخ»([20]).

        ويصرح أن الإلحاد يولد الفوضى والإرهاب والعنف فيقول: «...إلا أن قسم الضلالة من العلم والفلسفة، أي غير المتوافق مع القرآن الكريم، والمنحرف عن الصراط السوي، قد بدأ بنشر الكفر المطلق على طراز الشيوعيين، فبدأ بتطعيم أفكارهم المولدة للفوضى والإرهاب، ونشرها بواسطة المنافقين والزنادقة، وبواسطة قسم من السياسيين الكفرة، علما أن الحياة لا يمكن أن تسير بدون دين، ولا حياة لأمة بلا دين»([21]).

        وفي الاتجاه المقابل يرى "النورسي" أن الإيمان والأخلاق هما ضمان الرحمة والطمأنينة، والأمان والاستقرار، وهذا الذي جاء به الدين؛ يقول: «إن الدين ليس عبارة عن الإيمان فقط، بل العمل الصالح أيضا هو الجزء الثاني من الدين، فهل يكفي الخوف من السجن، أو من شرطة الحكومة، لكي يبتعد مقترفوا الكبائر عن الجرائم التي تسمم الحياة الاجتماعية كالقتل، والزنا، والسرقة، والقمار ويمتنعوا عنها؟ إذن يستلزم أن نخصص لكل شخص شرطيا مراقبا؟ لكي ترتدع النفوس اللاهية عن غيها، رقيبا معنويا من جهة العمل الصالح، ومن جهة الإيمان...»([22]).

وفي نفس المعنى يقول مخاطبا الحكام والمدعي العام: «أيها الحكام المحترمون، أنتم أعلم بالجواب، لكن اسألوا المدعي العام المشتكي مرة أخرى، إن كان يستطيع أن يجيب بالنفي! هل يمكن الوقوف في وجه تردي الأخلاق، وزوال العفة، وضياع النسب، وتجارة الأعراض، والزنا، والقتل بالقوانين الجزائية وحدها، إذا لم تشرح أوامر الله، وحكمة القرآن للشباب ويعلموها، وإذا منع ذلك بحجة أن الدعاية إليها ممنوعة؟ بأي شيء يمكن صد التخريب الخفي والعلني، والمعدي والخبيث، لفكر فتاك كالشيوعة التي تهدد الدنيا كلها؟»([23])؛ ويقول مخاطبا أهل السياسة والحكومة: «فأنتم يا أهل السياسة والحكومة لا تنشغلوا بنا بناء على الظنون والأوهام، بل عليكم أن تذللوا المصاعب لنا، وتسهلوا الطريق أمامنا، لأن خدمتنا تؤسس الأمن، والاحترام، والرحمة، فتسعى لإنقاذ النظام، والأمن، والحياة الاجتماعية من  الفوضى، والإرهاب، فخدمتنا ترسي ركائز وظيفتكم الحقيقية، وتقويها، وتؤيدها»([24]).

        ويؤكد أن كسر شوكة الإلحاد المفضي إلى الإفساد والعنف، والفوضى والإرهاب، لا يكون إلا بالإيمان الذي يولد الأمن والنظام، وذلك ما تمثله رسائل النور، وطلاب النور، واقعيا وميدانيا، يقول:

«نعم، في الوقت الذي تنشط الفوضى والإرهاب، المتستر بستار الشيوعية للإخلال بالأمن العام، فإن طلاب رسائل النور يقفون بوجه ذلك الإفساد المرعب، في جميع أرجاء البلاد، ويكسرون شوكته بقوة الإيمان الحقيقي، ويسعون حثيثا لإحلال الأمن والنظام، مكان الخوف والفوضى، فلم تظهر في العشرين سنة السابقة أية حادثة كانت حول إخلالهم بالأمن، رغم كثرة طلاب النور، وانتشارهم في جميع أنحاء البلاد، فلم يجد ولم يسجل عليهم أحد من الضباط المسؤولين حدثا في عشر ولايات وعبر حوالي أربع محاكم ذات علاقة، بل قد قال ضباط منصفون لثلاث ولايات: إن طلاب النور ضباط معنويون للأمن في البلاد، إنهم يساعدوننا في الحفاظ على الأمن والنظام لَمَّا يجعلون من فكر كل من يقرأ رسائل النور بالإيمان التحقيقي حارسا ورقيبا عليه، فيسعون بذلك للحفاظ على الأمن العام»([25]).

4-العنصرية والعرقية:

        يقرر "النورسي" أن من الأسس السلبية للمدينة الحاضرة العنصرية البغيضة التي تقود الناس إلى العنف والصدام، ثم الدمار والهلاك، وفي ذلك يقول:

«رابطتها –أي المدينة الحاضرة- الأساس بين الناس: العنصرية التي تنمو على حساب غيرها، وتتقوى بابتلاع الآخرين، وشأن القومية السلبية والعنصرية: التصادم المريع، وهو المشاهد. ومن هذا ينشأ الدمار والهلاك»([26]).

 

5-القوة والمنفعة:

        إن من عوامل الخصام والنـزاع والعنف في منظور رسائل النور، قيام المدنية على أساس القوة والمنفعة، يقول النورسي: «فنقطة استنادها –أي المدنية الحاضرة- القوة بدل الحق، وشأن القوة الاعتداء والتجاوز والتعرض، ومن هنا تنشأ الخيانة. هدفها وقصدها: منفعة خسيسة بدل الفضيلة، وشأن المنفعة: التزاحم والتخاصم، ومن هذا تنشأ الجناية دستورها في الحياة: الجدال والخصام بدل التعاون، وشان الخصام: التنازع والتدافع، ومن هنا تنشأ السفالة»([27]).

        ويقابلها بالأسس الإيجابية لمدنية القرآن، التي تنبذ العنف وتنشد السلام والاطمئنان فيقول: «نقطة استنادها –أي مدنية القرآن- الحق بدل القوة، ومن شأن الحق دائما: العدالة والتوازن، ومن هذا ينشأ السلام ويزول الشقاء. وهدفها: الفضيلة بدل المنفعة، وشأن الفضيلة: المحبة والتقارب، ومن هذا تنشأ السعادة، وتزول العداوة. دستورها في الحياة: التعاون بدل الخصام والقتال.....»([28]).

6-الترف وطغيان الشهوات:

        هذا ما قرره القرآن الكريم أن الترف وطغيان الشهوات يفضي إلى العنف والنـزاع، ثم إلى الدمار والهلاك، قال الله تعالى: )وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا(

        فلم يكن غريبا أن يؤكد عليها الرجل القرآني: بديع الزمان النورسي، في مواضع كثيرة من رسائل النور، منها قوله: «والآن! ندرك لم أعرض العالم الإسلامي عن المدنية الحاضرة، ولم يقبلها، ولم يدخل المسلمون فيها بإرادتهم. إنها لا تنفعهم، بل تضرهم، لأنها كبلتهم بالأغلال، بل صارت سما زعافا للإنسانية بدلا من أن تكون لها ترياقا شافيا، إذ ألقت ثمانين بالمائة من البشرية في شقاء، لتعيش عشرة بالمائة منها في سعادة مزيفة، أما العشرة الباقية فهم حيارى بين هؤلاء وهؤلاء.

        وتتجمع الأرباح للتجارة بأيدي أقلية ظالمة، بينما السعادة الحقة، هي في إسعاد الجميع، أو في الأقل أن تصبح مبعث نجاة الأكثرية.

        والقرآن الكريم النازل رحمة للعالمين، لا يقبل إلا طرازا من المدنية التي تمنح السعادة للجميع أو الأكثرية، بينما المدنية الحاضرة قد أطلقت الأهواء والنوازع من عقالها، فالهوى حر طليق طلاقة البهائم، بل أصبح يستبد، والشهوة تتحكم، حتى جعلتا الحاجات غير الضرورية في حكم الضرورية، وهكذا محيت راحة البشرية.

        إذ كان الإنسان في البداوة محتاجا إلى أشياء أربعة، بينما أفقرته المدنية الحاضرة الآن، وجعلته في حاجة إلى مائة حاجة وحاجة، حتى لم يعد السعي الحلال كافيا لسد النفقات، فدفعت المدنية البشرية إلى مـمارسة الخداع، والانغماس في الحرام، ومن هنا فسدت أسس الأخلاق»([29]).

ب- منهج التغيير عند النورسي يقوم على الدعوة السلمية ونبذ العنف

        إن منظور رسائل النور إلى منهج التغيير والإصلاح، يقوم على اعتبار أي تغير يحدث في الكون والتاريخ، لابد أن يراعي السنن الكونية، التي تتجلى فيها أسماء الرب سبحانه، خاصة اسم "الحكيم"، ومن هنا كان النورسي يدعو إلى التغيير سلميا ونبذ العنف، فهو مقتضى الحكمة، ومقتضى هدي الإسلام.

        وكان يؤمن بالنظام، ويُبْعِد الفوضى، ويؤمن بالتدرج، ولا يعتقد الطُّفْرة، ذلك أن النظام والتدرج هو أساس الوجود كله، وأي خروج عليه يعني إدخال الفساد عليه، وهو خروج واضح على منهج القرآن والسنة، وفي ضوء ذلك يدعو النورسي إلى تغيير اجتماعي منظم يتمسك بسنة التطور الطبيعي التدريجي، ويجب أن يبدأ من القاعدة ويصعد إلى القمة، لا العكس، لأن العكس سيؤدي إلى زعزعة الحياة الاجتماعية، ويحصل منه شر مستطير، وتخريب كبير([30]).

فهو يقول: «إن من يشق طريقا في الحياة الاجتماعية، ويؤسس حركة، لا يستثمر مساعيه، ولن يكون النجاح حليفه، ما لم تكن تلك الحركة منسجمة مع القوانين الفطرية التي تحكم الكون، بل إن جميع أعماله لأجل التخريب والشر»([31]).

وليقين الأستاذ أن التغيير إنما يكون بالدعوة السلمية ونبذ العنف، فإنه لا يبيح الجهاد المسلح الداخلي، والخروج على حكام المسلمين بالقوة المادية، لأن ذلك لا يخدم من وجهة نظره إلا العدو الخارجي المتربص بالمسلمين.

فهو يقول: «إن الجهاد المسلح لا يحشد كليا إلا ضد العدو الخارجي، فالصراع المسلح داخل البلاد الإسلامية، هو ما يصبو إليه العدو الخارجي، إذ إن سفك دماء المسلمين فيما بينهم أمر يهمهم»([32]).

        والحقيقة إنه رغم الابتلاءات، والسجن، والتشريد، والنفي، الذي قاساه النورسي وطلاب النور، فإن منهجه -وهو نفسه منهج الإسلام في التغيير السلمي ونبذ العنف- قد نجح إلى حد بعيد، وآتى أكله، ونضجت ثمرته؛ في تركيا وغيرها من البلاد الإسلامية، بانبعاث الصحوة الإسلامية الواعية، والقضاء على الإلحاد العقدي والفكري، وعودة المجتمع إلى عقيدته وحضارته.



[1] - سورة النحل، الآية: 125.

[2] - رواه مسلم عن عائشة، رقم: 2593.

[3] - رواه مسلم، رقم: 2594.

[4] - جزء من حديث رواه البخاري، رقم: 220.

[5] - متفق عليه كما في اللؤلؤ والمرجان، رقم: 1131.

[6] - سيرة ذاتية، ص: 75.

[7] - الرسائل: كلمات، ص: 425.

[8] - الرسائل: سيرة ذاتية، ص: 213.

[9] - الرسائل: سيرة ذاتية، ص: 79.

[10] - المصدر السابق، ص: 499.

[11] - المصدر السابق، ص: 379.

[12] - المصدر السابق، ص: 75.

[13] - المصدر السابق، ص: 81.

[14] - المصدر السابق، ص: 102.

[15] - المصدر السابق، ص: 87.

[16] - المصدر السابق، ص: 253.

[17] - المصدر السابق، ص: 505.

[18] - المصدر السابق، ص: 864.

[19] - المصدر السابق، ص: 330.

[20] - المصدر السابق، ص: 271.

[21] - المصدر السابق، ص: 472.

[22] - المصدر السابق، ص: 453.

[23] - المصدر السابق، ص: 459.

[24] - المصدر السابق، ص: 315.

[25] - المصدر السابق، ص: 460.

[26] - الرسائل: كلمات. –الكلمة الثالثة والثلاثون، ص: 856.

[27] - نفس المصدر السابق.

[28] - الرسائل: كلمات، ص: 323.

[29] - نفس المصدر السابق.

[30] - أنظر: من أئمة التجديد الإسلامي للدكتور محسن عبد الحميد، ص: 144، ط: 1، 1407هـ-1968م، مطبعة النجاح الجديدة –الدار البيضاء- المملكة المغربية.

[31] - الرسائل: لمعات. ص: 160.

[32] - الرسائل: شعاعات. ص: 240.

 

 


3067

0






 

 

 
هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



ملامح من السيرة الذاتية لصاحب الموقع

أصول عقائد الشيعة في ميزان الشريعة

الجدل العلمي بين العلامة محمد زاهد الكوثري ومعاصره الحافظ أحمد بن الصديق الغُمَاري المغربي

الإسلام والعنف من منظور "رسائل النور"

الشورى والديمقراطية

السنن الكونية والاجتماعية في القرآن الكريم

علامة الريف وتطوان الشيخ محمد حدو أمزيان حياته وتراثه العلمي

أحكام شرب الماء في الشريعة الاسلامية وفوائدها الصحية والبيئية

حكم إمارة المؤمنين وحكمتها ومقاصدها

حكم الخمر والمسكرات في المذهب المالكي تناولا وبيعا وإنتاجا

ملامح من السيرة الذاتية لصاحب الموقع

الإسلام والعنف من منظور "رسائل النور"





 
القائمة الرئيسية
 

» الرئيسية

 
 

»  دروس مرئية

 
 

»  السيرة الذاتية

 
 

»  إصدارات

 
 

»  دراسات وأبحاث

 
 

»  صور لصاحب الموقع

 
 

»  أخبار وتقارير

 
 

»  اسألوا أهل الذكر

 
 

»  أهداف الموقع

 
 

»  حوارات

 
 

»  مقال الشهر

 
 

»  الصحافة

 
 

»  قالوا عن الموقع

 
 
مقال الشهر

الشيخ محمد العربي بن أحمد الخطيب

 
قالوا عن الموقع

قالوا عن الموقع

 
السيرة الذاتية

إصدار جديد بمدينة تطوان


ملامح من السيرة الذاتية لصاحب الموقع

 
حوارات

مجلة الفرقان في حوار مع فضيلة الشيخ توفيق الغلبزوري

 
بحوث ومقالات
 
 شركة وصلة  شركة وصلة